سيد محمد طنطاوي

138

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

و * ( اللُّؤْلُؤُ ) * - في أصله - حيوان ، وهو أعجب ما في البحار ، فهو يهبط إلى الأعماق ، وهو داخل صدفة جيرية تقيه من الأخطار . . ويفرز مادة لزجة تتجمد مكونة « اللؤلؤ » . والمرجان - أيضا - حيوان يعيش في البحار . . . ويكون جزرا مرجانية ذات ألوان مختلفة : صفراء برتقالية ، أو حمراء قرنفلية ، أو زرقاء زمردية « 1 » . ومن اللؤلؤ والمرجان تتخذ الحلي الغالية الثمن ، العالية القيمة ، التي تتحلى بها النساء . . والآية الكريمة صريحة في أن اللؤلؤ والمرجان يخرجان من البحرين - الملح والعذب - إلا أن كثيرا من المفسرين ساروا على أنه - أي : اللؤلؤ والمرجان - يخرج من أحدهما فحسب ، وهو البحر الملح . . قال الآلوسي ما ملخصه : واللؤلؤ صغار الدر ، والمرجان كباره . . وقيل : العكس . . والمشاهد أن خروج « اللؤلؤ والمرجان » من أحدهما وهو الملح . . لكن لما التقيا وصارا كالشىء الواحد جاز أن يقال : يخرجان منهما ، كما يقال : يخرجان من البحر ، ولا يخرجان من جميعه ، ولكن من بعضه ، كما تقول : خرجت من البلد ، وإنما خرجت من محلة من محاله ، بل من دار واحدة من دوره ، وقد يسند إلى الاثنين ما هو لأحدهما ، كما يسند إلى الجماعة ما صدر من واحد منهم . . « 2 » . والحق أن ما سار عليه الإمام الآلوسي وغيره : من أن اللؤلؤ والمرجان يخرجان من البحر الملح لا من البحر العذب ، مخالف لما جاء صريحا في قوله - تعالى - : وما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ ، هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُه ، وهذا مِلْحٌ أُجاجٌ ، ومِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها . . . « 3 » . فإن هذه الآية صريحة في أن اللؤلؤ والمرجان يخرجان من كلا البحرين الملح والعذب ، وقد أثبتت البحوث العلمية صحة ذلك ، فقد عثر عليهما في بعض الأنهار العذبة ، التي في ضواحي ويلز واسكتلاندا في بريطانيا . . « 4 » . ثم بين - سبحانه - نعمة أخرى من نعمة التي مقرها البحار فقال : * ( ولَه الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) * .

--> ( 1 ) راجع « كتاب اللَّه والعلم الحديث » ص 105 للأستاذ عبد الرازق نوفل . ( 2 ) راجع تفسير الآلوسي ج 22 ص 106 . ( 3 ) سورة فاطر الآية 12 . ( 4 ) راجع دائرة معارف الشعب المصرية العدد 73 ص 537 .